بعض صور المجتمع المصري من خلال (حديث عيسى بن هشام ) للمويلحي
مقدمة
يعد كتاب ( سيرة عيسى بن هشام ) من كتب التحليل والنقد الاجتماعي التي لمع نجمها خلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر ، التي ظهرت نتيجة للاحتلال البريطاني آن ذاك ، وكانت معارضة الاحتلال جماعية وموحدة تقريباً ؛ وكان من أشهر المعارضين جمال الدين أسد آبادي ( المعرف بالأفغاني ) وتلميذه المصري محمد عبده وغيرهم من الكتاب القوميين ، ثم (المويلحي) كما جاء في كتابه ( حديث عيسى بن هشام ) الذي يعد له دوراً فاعلاً في تطور النثر الروائي العربي الحديث ، كما أنه نشره أولاً في سلسة من المقالات في جريدة ( مصباح الشرق ) التي يملكها والده إبراهيم المويلحي ، وكان عنوان المقالات الأصلية ( فترة من الزمان ) وتضمنت الكثير من التعليقات السياسية والنقد الاجتماعي اللاذع ، وفي عام 1906جمع ( المويلحي ) معظم مقالاته المتسلسلة في كتاب فأعيدت مراجعتها وحذف بعض مقاطعها ، وأضيفت إليها مادة جديدة ، فظهر الكتاب في عام 1907 تحت عنوان ( حديث عيسى بن هشام )
ويشكل كتاب ( حديث عيسى بن هشام ) خطوة تقدمية، حيث أنه خالف ما سبقه من كتب، بتركيز اهتمامه على المجتمع المصري خلال الفترة التي عاشها المؤلف، وأخضعه للنقد الساخر اللاذع. حيث يخبرنا الراوي نقلاً عنه أن عيسى بن هشام كان يمشي في مقبرة من مقابر القاهرة وخرج عليه رجل من قبره حياً فيعرف نفسه لاحقاً بأنه أحمد باشا المنيلكي ، وزير الحرب المتوفى في عهد محمد علي ، ليتقابل مع عيسى بن هشام ؛ وهو مصري معاصر يتماثل اسمه مع اسم راوي مقامات الهمذاني ، ويطوف الرجلان بأرجاء القاهرة وهي في طور التغير السريع إلى مدينة عالمية ، وفي بداية الكتاب يُقبض عليه لتعديه على صاحب حمار ، وهنا يتكشف للقارئ حقيقة الفوضى التي تكتنف النظام القضائي الذي يخلط بين الشريعة الدينية والمحاكم الغير دينية (الأحكام الوضعية المبنية على النظام الفرنسي) وكلاهما يعمل تحت إدارة الحكم البريطاني . وقرب نهاية الكتاب تقدم شخصية العمدة وزميلاه الخليع والتاجر بعض اللحظات الخالدة التي تقارن بين الحياة في الريف والمدينة ، وبين الذوق والقيم التقليدية التي يمثلها العمدة وبين العادات الغربية التي يعتنقها الخليع ، وبينما يظل مستوى النقد الضمني في معالجة مل مجموعة اجتماعية ثابتاً ، فإن الفصول تشكل وحدات منفصلة لا يربط بينها سوى أمور عرضية فيما عدا وجود الراوي وصاحبة ، والحقيقة أنه من منظور البنية الروائية الكتاب يفوح بعطر مقامات الهمذاني .
ومن الواضح أن ( المويلحي ) كان ناقداً ثاقب الفكرة ، حاداً تجاه مجتمعه في بداية القرن ، وعلى ذلك فإن كتاب ( حديث عيسى بن هشام ) يقوم بوظيفة مزدوجة من ناحية العرض والتحليل .
يطول المقام لذكر تلك التفاصيل التي حاول الكاتب أو ينتقدها في مجتمعه، حيث أدرج الكثير من الأمور التي تهم ذلك المجتمع في عصره بشيء من التفصيل الذي يتناسب مع المقام.
سنحاول عرض بعض الوقفات التي برزت في هذا الكتاب من نقد للمجتمع المصري بطريقة الكاتب وكيف صاغها ؟ وكيف حاول معالجتها ؟
تمهيد
- آليات تركيب الصورة .. كيف تشكلت ؟
لن يتسنى لنا معرفة أبعاد فكرة ( نقد المجتمع المصري عند المويلحي ) إلا بدراسة منابع الفكرة أو مصادرها في تراث الفكر المصري الحديث ، وكيف كان هذا التراث بمثابة المهاد الذي أفرز رؤية ( المويلحي ) وحدد نوعية مواجهته للمشاكل التي يطرحها الواقع الاجتماعي لمصر الحديثة.
والتعرف على منابع فكرة النقد من خلال الموروث الفكري في دراسة فكر الطبقة البرجوازية المصرية، وهو الفكر الذي حاولتَ تلك الطبقة أن تغرسه في تربة الواقع المصري. كما ينبني عن أشواق وطموح الطبقة البرجوازية البازغة في تغيير الواقع القائم – وهو واقع لم يكد يتخلص من رواسب النظام الإقطاعي المملوكي – واستشرافها للسيطرة الفاعلة على ( الدولة الحديثة )
ومن القراءة الفاحصة لكتاب ( المويلحي ) هذا تثيرنا تساؤلات عن علة النقد الذي وجهه لطبقات المجتمع المصري وطبيعي أن يعبر عن موقف طبقته . لمعرفة أبعاد هذا الموقف لابد من الوقوف أمام مصادر فكر الطبقة البرجوازية التي كان ينتمي إليها – المويلحي .
الملاحظة الأساسية أن تلك الطبقة تميزت بسمات خاصة تشربت فكر البيئة التي نبتت منها ، وهي بيئة يمثل المجتمع الإسلامي دعائمها الأساسية ، كما أن رواد الفكر العربي الحديث في مصر قد رسموا مفهوماً يكشف عن قيم تلك الطبقة التي ينتمي إليها هؤلاء الرواد ، وهو مفهوم يحرص على أن يجد سنداً لأفكاره في موروث الحضارة الإسلامية .
والحديث عن البنية الأساسية للمجتمع الذي نشأ فيه ( المويلحي ) وعبر عن موقفه النقدي لأنساقه الاقتصادية والسياسية ولما ساد قمته من فكر ، وقيم معنوية يدفعنا إلى تحليل مصادر الفكر الاقتصادي للطبقة البرجوازية المصرية البازغة من خلال تراث رائدين عظيمين هما : ( رفاعة الطهطاوي ) وما بذل من جهود في تقديم تلك الطبقة وموقفها من قيم العلم والعمل والفن ، والآخر هو ( الأستاذ محمد عبده ) - أستاذ المويلحي - وواحد ممن أهدى لهم ( الحديث ) في محاولة للتعريف على امتدادات أفكارهما في الصورة الروائية التي أبدعها المويلحي في ( حديث عيسى بن هشام ) .
كما أن للنقد مفهوم عن المويلحي ويجب أن نعرضه لنعرف بطبيعة الحال كيف بنى تلك الصورة و المنظور الذي يرنو من خلاله للمجتمع المصري ومشكلاته ، حيث يرى – المويلحي – أن هذا النقد ينصب على التغيير الاجتماعي بالمعنى الشامل والعميق الذي يشمل البنى الأساسية للمجتمع المصري بقاعدته الاقتصادية وبقمته الفكرية والقانونية والروحية والفنية .
ويشف مفهوم ( المويلحي ) للنقد عن مدى وعيه بوظيفة النقد الاجتماعية في الارتقاء بالعلوم والفنون والآداب مما يؤكد وضوح ( الحس النقدي ) لديه ، على أن المتأمل في كلمة (نقد) يجد أنها لا تخلو من معنى ( التغيير ) ؛ كما أنها لا تخلو من مدلول فلسفي ، والفلسفة بطبيعتها تقوم على النقد والرفض ، والتغيير يرتبط بالإنسان من جانب ، وبالمكان والزمان من جانب آخر ، والعلاقة بين الماضي والحاضر.
- المويلحي ونقد البنية الأساسية للمجتمع :
لن يتسنى لنا معرفة أبعاد فكرة ( نقد المجتمع عند المويلحي ) إلا بدراسة منابع الفكرة أو مصادرها في تراث الفكر المصري الحديث ، وكيف كان هذا التراث بمثابة المهاد الذي أفرز رؤية (المويلحي ) وحدد نوعية موجهته للمشاكل التيس يطرحها الواقع الاجتماعي لمصر الحديثة .
والتعرف على الصورة لفكرة النقد هذه من خلال الموروث الفكري إنما هو دراسة لفكر الطبقة البرجوازية المصرية ، وهو الفكر الذي حاولت تلك الطبقة البرجوازية أن تغرسه في تربة الواقع المصري ، كما ينبئ عن أشواق أو طموح الطبقة البرجوازية البازغة في تغيير الواقع القائم ؛ وهو واقع لم يكد يتخلص من رواسب النظام الإقطاعي المملوكي ؛ واستشرافها للسيطرة الفعالة على الدولة الحديثة التي أرسى دعائمها ( محمد علي ) مؤسس مصر الحديثة .
ولابد من التعرف على الخلفية التاريخية التي أفرزت هذا الموقف من النظام الاقتصادي أيام (محمد علي) وامتداداته إلى أن وصل إلى ذروته أيام (إسماعيل) .حيث يمكننا القول أن الاقتصاد المصري أصبح تابعاً في عهد إسماعيل للاقتصاد الانجليزي ثم الفرنسي بالدرجة الأولى ، ولاقتصاد بلاد أوروبا الغربية بدرجات متفاوتة ، وذلك نتيجة تمتع الأجانب في مصر بالامتيازات الأجنبية ، خاصة تلك التي كانت تتصل أو تمس النواحي التشريعية والمالية والقضائية ، وقد كان طبيعياً أن يزداد خضوع الاقتصاد المصري بعد احتلال انجلترا مصر عام 1882، فإن سيطرتها على البلاد سياسياً سهل لها تسيير الاقتصاد المصري تبعاً لمشيئتها ، بل إنهم كانوا يرسمون وينفذون غير ذلك من السياسات الاجتماعية ذات الأثر المباشر في حياة مصر الاقتصادية ، والتعليم كما صورها (المويلحي) في كتابه – (حديث عيسى بن هشام) – .
والقراءة الفاحصة للكتاب تثير تساؤلات عن علة النقد الذي وجهه ( المويلحي ) لطبقات المجتمع المصري ، وطبيعي أن يعبر عن الطبقة التي ينتمي لها وهي الطبقة البرجوازية ، الملاحظة الأساسية أن تلك الطبقة تميزت بسمات خاصة تشربت البيئة التي تنبت منها ، وهي بيئة يمثل المجتمع الإسلامي دعائمها الأساسية ؛ كما أن رواد الفكر العربي الحديث في مصر قد رسموا مفهوماً يكشف عن قيم تلك الطبقة التي ينتمي إليها هؤلاء الرواد ، وهو مفهوم يحرص عن أن يجد سنداً لأفكاره في موروث الحضارة الإسلامية .
والحديث عن البنية الأساسية للمجتمع الذي نشأ فيه ( المويلحي ) وعبر عن موقفه النقدي للمجتمع المصري ولما ساد فيه من فكر ، وقيم معنوية يدفنا إلى تحليل مصادر الفكر بتلك الطبقة التي ينتمي لها ( المويلحي ) ليتسنى لنا معرفة تلك العين الفاحصة التي رأى بها ( المويلحي ) المجتمع المصري ، ومن أهم رواد هذه الطبقة – البرجوازية – هما الأول: رفاعة الطهطاوي (1801 – 1873) وما بذل من جهد في تقديم النظرة الاقتصادية والسياسية لتلك الطبقة ومواقفها والثاني : الأستاذ الإمام محمد عبده (1849 – 1905) أستاذ ( المويلحي ) وواحد ممن أهدى لهم كتابه ، في محاولة للتعرف على امتدادات أفكارهما في الصورة الروائية التي رسمتها ريشة المويلحي في ( حديث عيسى بن هشام ) .
فدائماً ما كانا يدعمان ذلك الموقف بسند من الموروث الديني وما يمثل من عطاء الحضارة الإسلامية بهدف تأصيل أبعاد موقف الطبقة البرجوازية (الإسلامية ) في صعودها ، وتأكيد تميزها عن البرجوازية الأوربية ، وواضح أنهم جميعاً (الطهطاوي ومحمد عبده والمويلحي من مفكري وفناني عصر الإحياء) كانوا يبحثون في الماضي عن تفسيرات لمشكلات يطرحها الواقع المصري بهدف رسم واقع للمستقبل .
عند ( الطهطاوي ) إن تقدم الوطن لا يتم إلا بالاعتماد على عاملين : الأول: معنوي ، يمثل التمدن في الأخلاق والعوائد والأدب ، يعني التمدن في الدين والشريعة .
الثاني : مادي ، وهو التقدم ( في المنافع العمومية ، كالزراعة والصناعة ، ويختلف قوة وضعفاً باختلاف البلاد ، ومداره على ممارسة العمل وصناعة اليد ، وهو لازم للتقدم العمران ) فهو هنا يؤكد على وصف العمل بوصفه قيمة أساسية للتقدم الاجتماعي .
ويعد تأكيد ( الطهطاوي ) لأهمية العمل ذا أهمية كبيرة في إطار المجتمع العربي الإسلامي ، وخاصة في وقت كانت ممارسة الأعمال فيه مما يقوم به المعوزون دون الخاصة الأثرياء.
ويكشف الإطار العام للخلفية التاريخية عن أصالة فكر ( الطهطاوي ) المعبر عن الطبقة البرجوازية البازغة – كما ينبني موقفه عم نقد الهيكل الاقتصادي للدولة بعد فلول نجم ( محمد علي ) وتداعي البنيان الاقتصادي للدولة .
ومعنى هذا أن ( الطهطاوي ) ومن بعده ( محمد عبده ) وتلميذه ( المويلحي ) – يرفضون تكريس الوضع الطبقي لأفراد المجتمع الذي يشطر إلى قسمين : السادة الأحرار ( طبقة الحكام القواد ،الفلاسفة ) ، والعبيد ( وهي الطبقة التي عليها يقع عبء العمل ) . بل إن نظرة (الطهطاوي) تعتمد على ركيزة من ركائز الحضارة الإسلامية فتتخذ من العمل نقطة البدء في تحصيل الثروة وزيادتها ، فبالعمل تتميز الشعوب المتقدمة عن غيرها حتى تلك التي تملك الموارد الطبيعية .
وإذا كان الطهطاوي قد طرح تصوراً نظرياً للمجتمع الذي يتحقق فيه العدل الأسمى – وهي قيمة سعى إليها ( المويلحي ) – فإن هذا الفكر يُعد نقداً اجتماعياً للهيكل الاقتصادي لمصر الحديثة ، ويصور قيم الطبقة البرجوازية التي ترب
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |